إضراب 29 أكتوبر يؤجج الجدل بين السياسة والعقيدة بالمغرب
- يبدو أن الجدل ما بين السياسة والعقيدة ضمن المجال التداولي المغربي لم يعد منحصرا، لاسيما في الآونة الأخيرة، بين الإسلاميين واليساريين كما سجلته محطات تاريخية، وتابعته صحف ومجلات، ودافعت عنه رؤى وتصورات، وترافعت حوله مداخلات ضمن ندوات ولقاءات ومؤتمرات، ونوقشت حوله أطروحات جامعية تسابقت إلى نشرها وتسويقها دور للنشر ومراكز ثقافية.
- والدليل فيما نذهب إليه هو أن محطة إضراب 29 أكتوبر، وما صاحبته من نقاش وجدل بين الإسلاميين في تصريحاتهم الإعلامية وتدويناتهم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حول موضوع مشاركة فصائل إسلامية من قبيل حزب الأمة وجماعة العدل والإحسان وحزب النهضة والفضيلة وحزب البديل الحضاري، على عكس حزب العدالة والتنمية الذي يقود التحالف الحكومي، جعل النقاش/ الجدل محتدما بين الإسلاميين المغاربة عن "خيانة المرجعية العقدية" لدى البعض منهم.
- في مقابل ذلك ذهب آخرون إلى أن وحدة المرجعية لا تعني وحدة الاجتهاد السياسي ووحدة الموقف من القضايا المطروحة، في دلالة على غلبة السياسي على الدعوي هذه المرة، وإرادة بعض الأصوات، ضمن تدوينات وتغريدات في مواقع التواصل الاجتماعي من داخل الإسلاميين، حصر النقاش ضمن مجاله السياسي بعيدا عن العقيدة والدعوة باعتبارها مجالا محددا ومشاعا بين الجميع.
- فما الذي يجعل مواقف الإسلاميين تختلف وتتمايز؟ وهل الاختلاف عارض أم له أطر مرجعية ضابطة للاختلاف وفق سياقات تاريخية محددة؟ كيف يمكن إدارة الاختلاف بين المجالين الدعوي والسياسي بعيدا عن آفة الإلغاء والتكفير؟ وكيف يمكن الاستئناس بالتجارب التاريخية بحسناتها وسيئاتها، والاسترشاد بالمكاسب المؤثلة حضاريا للحفاظ على وحدة الاجتماع من التيه التاريخي، والتشظي الجغرافي كما يقع في بلدان أخرى؟
- وحدة المرجعية لا تمنع تعدد الاجتهادات السياسية
- أحمد بوعشرين الأنصاري، الباحث في الفكر الإسلامي، يذهب، حسب رأيه في سبب الخلافات بين الإسلاميين بخصوص بعض القضايا المرتبطة بالشأن العام، إلى أن وحدة المرجعية لا تعني وحدة الاجتهاد ولا تعني وحدة الموقف، كما أن الموقف من الإصلاحات الأساسية المتعلقة بتحرير الإرادة الشعبية والموقع من القضايا الحيوية للشعب هما معيارا التصنيف خارطة التدافع والتحالف.
- ووفق هذا التصور، يرى بوعشرين، أن الأمر يصبح عاديا أن تتمايز مواقف الإسلاميين بعضهم بعضا إلى حد أن يبلغ الأمر إلى توازي المواقف دون نقط التقاء أحيانا، "ولنا في مثال حزب النور والأزهر بمصر وموقفهما المساند للانقلاب ولو قتل وسفك الدماء واقترف جرائم إبادة".
- ويعتبر المتحدث، في تصريحه لهسبريس، أن منتجات الفقه السياسي الإسلامي دلت إلى وجود مدرستين تختلفان جذريا في فهم الدين وفي الاجتهاد منه للجواب على النوازل والوقائع.
- أولها مدرسة فقه الاختيار التي انتصرت لأطروحة التعاقد الاختياري بين الحاكم والمحكوم الذي "لا يدخله إكراه ولا إجبار" باستعارة تعبير الماوردي ولسمو إرادة الأمة ولضرورة التصدي لكل من صادر هذه الإرادة بالمقاومة السلمية وفق موازنة راشدة بين الضرر الواقع والضرر المتوقع على حد تعبير بن القيم تضمن نجاح عملية التغيير السلمي.
- وثانيا هناك مدرسة فقه الغلبة التي انتصرت لأطروحة الإكراه في قبول الحاكم المتغلب باستدعاء تبريري للضرورة المؤبدة لهذا الإكراه.
- وعليه، يضيف بوعشرين، فكون "أن أي عمل سياسي يستند إلى المرجعية الإسلامية لا يعني إضفاء صفة القداسة عليه، على اعتبار أنه اجتهاد بشري قد يستدعي فقه الغلبة لتبرير الظلم وتأبيد الاستبداد والصبر غير المحدود على الظالمين، وقد يستدعي فقه الاختيار للانحياز للمظلومين ولسمو الإرادة الشعبية وللثبات على المقاومة السلمية التي تراكم في اتجاه التغيير المنشود دون مهادنة لظلم ولا تبرير لاستبداد ولا إقرار له بالحق".
- وعن رأيه في بعض التصورات والتمثلات التي ترى في الإسلاميين على أنهم"على قلب رجل واحد" كما يقال، وأنه "ليس في القنافذ أملس، يقول بوعشرين في معرض جوابه على السؤال: "في تقديري علي هؤلاء الذين تسكنهم فوبيا كل ما هو إسلامي أن يتحرروا من عقدة "ليس في القنافذ أملس" لأن كما في الصف العلماني محافظون ومهادنون ومصلحون ومتسلطون فكذلك في الصف الإسلامي محافظون ومهادنون ومصلحون، وعليه فالتصنيف ينبغي أن يبنى على أساس الموقف من تحرير الإرادة الشعبية وسموها والموقع من القضايا الحيوية للشعب".
- خلافات سياسية بأقنعة دينية
- لا شك أن الخلافات بين الإسلاميين من وجهة نظر تاريخية باتت مقررة ولا يمكن نفيها ولا دحضها، حيث يحتفظ التاريخ بالصراعات التي حدثت بين المسلمين سواء خلال الانقسام الطائفي (الشيعي ـ السني)، وقبل ذلك، أي الصراع السياسي الذي ظهر خلال اللحظة السقيفية (سقيفة بني ساعدة) بين المهاجرين والأنصار، حول من هي الجهة الأحق بالخلافة، ثم ظهرت العديد من الصراعات التي كانت غالبا ما تجنح للحروب من قبيل معركة الجمل بين أنصار علي وأنصار عائشة، ومعركة صفين بين شيعة معاوية وشيعة علي، حتى أن كتب التاريخ تسجل أن الذين قتلوا في المعارك بين مسلمين يفوق عددهم بأضعاف الذين قتلوا في معركتي بدر وأحد. ونفس الأمر سجله التاريخ الغربي الذي عرف نزاعات دموية بين أبناء الدين الواحد (الكاثوليك، البروتستانت، الأروثودوكس).
- ويسجل د.عبد الرحيم العلام، أن هناك العديد من الخلافات قد يظهر أن لها أسبابا دينية لكنه في الأصل هل خلفيات سياسية، حيث يغلب ما هو ديني على ما هو سياسي، وتستغل الدعوة الدينية من أجل تحقيق انتصارات سياسية.
- وفي عصرنا هذا، يلاحظ الباحث في العلوم السياسية، كيف انشطرت الفصائل الإسلامية في أفغانستان بعد خروج الاتحاد السوفياتي. ولم يكن لهذا الانشطار أية دوافع دينية حقيقة، فالكل تقريبا ينتمي إلى نفس الدين ونفس المذهب (السنة). الأمر ذاته تم تسجيله في الصومال، وسوريا والعراق (الصراع الظاهر بين "القاعدة" و" داعش") مضافا إليها الصراع بين أحزاب وجماعات شيعية بالعراق وصل حد التصفيات الجسدية.
- خلافات لها امتدادات تاريخية
- إن ما يظهر أنه اختلاف بين الإسلاميين المغاربة حول بعض السياسات العامة، خاصة في ظل مشاركة جانب منهم في تدبير الشأن العام، يعتبره الباحث عبد الرحيم العلام " ليس وليد اللحظة وإنما له امتدادات تاريخية، عائدة إلى تجربة النشأة والمسار".
- ويرى الباحث في العلوم السياسية أن العلاقة بين حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان كانت متوتِّرة قبل وجود الحزب أصلا، ليس فقط بسبب التنافس على المجال الواحد، ولكن أيضا بسبب افتراق الرؤى والتوجّهات والاستراتيجيات. فجماعة العدل والإحسان لديها مشروع مغاير لما يؤمن به أعضاء التوحيد والإصلاح؛ إذ يمكن تلخيص مقومات طرح جماعة العدل والإحسان في نقاط أساسية من قبيل: التديُّن الصوفي، محورية الزعيم، رفض الملكية، انتظار القومة (الثورة) كأداة للفعل السياسي. أما أهم مرتكزات التوحيد والإصلاح النظرية فهي: الفهم الديني القريب من تجربة الإخوان المسلمين المصرية، الإيمان بفكرة الإصلاح من الداخل، التناوب على القيادة، تقبُّل النظام الملكي مع الرغبة في إصلاحه.
- "وهكذا نكون أمام تصورين متضادّين على الأقل من الناحية السياسية، فالطرح الأول يؤمن بالفعل الثوري (القومة)، ويرفض النظام الملكي. بينما لا مجال للثورة ورفض النظام الملكية في التصور الثاني. وهذا ما ينقلنا إلى الحديث عن المقاربة الثانية للموضوع أي مقاربة علاقة الجماعة بالحزب السياسي" يقول عبد الرحيم العلام.
- ويلاحظ الباحث العلام، في اتصال مع هسبريس، إلى أن الصراع لا ينحصر بين الجماعات ذات المرجعية الإسلامية وحسب، وإنما يتّصل بجميع التنظيمات الأيديولوجية، حيث أنه كلما اشتدّت وطأة الأيديولوجية كلما ساد الانقسام.
- غير أن الباحث يستطرد كون الجماعات الدينية بشكل عام تتضمّن في سماتها الجوهرية بعض المكونات الصراعية، و"السبب الرئيس في ذلك عائد إلى كون هذه الجماعات تشتغل على الموضوع نفسه وتتنافس داخل المضمار ذاته. كما أن أغلب الجماعات الدينية قد تولّدت عن انشقاقات وانشطارات من داخل تنظيم واحد، فضلا على أن قيام جل الجماعات يأتي في الغالب على إثر انتقادات وتخطيء لجماعات أخرى. وهو ما يخلّف في أنفس منخرطي هذه الجماعات رؤية سلبية عن باقي الجماعات، لأن مسألة الحشد تنبني بشكل كبير على تجميل الذات ورفعها إلى مصافِّ القداسة، وازدراء تصورات الآخر وجعلها من المشينات".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق